القائمة الرئيسية

الصفحات

نظرية الرواية عند جورج لوكاش وهيجل

 

نظرية الرواية عند جورج لوكاش وهيجل


نظرية الرواية عند جورج لوكاش وهيجل
نظرية الرواية عند جورج لوكاش وهيجل


لقد جلب التنظير للرواية الكثير من الاهتمامات التي انصبت بشكل متفاقم حول ماهية الرواية، حيث حظيت باستقطاب الدارسين، والروائيين أنفسهم، وحتى الفلاسفة، مستفيدين من التحولات التي مست كيان المجتمع في تلك الفترة، تلك التحولات التي كان أبرزها صعود الطبقة البرجوازية إبان القرن 16م ، فاتجهت أنظارهم حول الرواية، ذلك الجنس الأدبي الذي كان مغمورا في الثقافة الغربية، وكانت الكنيسة تتخذ منه موقفا دينيا نظرا لارتباطه باللهو، واللعب، والمجون.

فالرواية لم تكن تعدو كونها فكاهية  لا تمتلك من القيمة عدى جانب التسلية فحسب، لكنها أصبحت فيما بعد " أداة للصراع الاجتماعي ضد قوى الإقطاع، والاستغلال، والقهر، وقد تحولت كذلك إلى سلاح شعبي خطير لمناهضة الظلم والاستبداد"[1]

هكذا تحولت الرواية من حيز الإهمال إلى ضرورة فرضتها الظروف السياسية، والاجتماعية، لتكون الوسيلة الأمثل في تحقيق المفاهيم التي يسعى الإنسان للحصول عليها، تلك المفاهيم التي تمثل المثل العليا للإنسان، مثل مفهوم السعادة، والحب، والعدالة، والحرية...

وقد أخذت الرواية تبحث لنفسها عن مكانة بين منظومة الآداب الرفيعة، باعتبارها " الجنس الأدبي الأكثر انفتاحا على التقاط مشاكل الذات، والواقع، والقادرة على استيعاب جميع الأجناس، والأنواع، والخطابات الأخرى"[2] لتأخذ بذلك النصيب الأوفر في مجال التنظير الأدبي، الذي جسدته تصورات الباحثين، والمنظرين، الذين حاولوا تفسير نشأتها، ومعرفة الحقيقة الجوهرية لهذا الصنف الأدبي الذي أصبح له شأن لا يقل أهمية عن الأنواع الأدبية الرفيعة.

ولعل كثرة التفسيرات، والتنظيرات  لفن الرواية  تدل في مقامها الأول على الإرباك الذي أصاب الدارسين إزاء المولود الجديد، وكيفية التعامل معه، هذا المولود الذي هز التفكير النقدي القائم  من عهد "أرسطو".

فمنذ ظهور الرواية بدأت التنظيرات المختلفة  لتفسر نشأة الرواية، والمكانة السامية التي كسبتها بين الأجناس الأخرى، وهذا ما نحن بصدد الحديث عنه، فمما لا شك فيه أن ما قدمه الفيلسوف الألماني "هيجل" كان له الدور المحوري في نظرية الرواية، رغم كثرة المقاربات المقدمة في النظرية الأدبية.

 نشأة الرواية (الرؤية والتنظير)

إن الحديث عن نشأة الرواية يتطلب استقراء حالة المجتمع استقراء دقيقا، يمكن من إحاطة شاملة بكافة العوامل التي كان لها الأثر في ظهور هذا الفن المستحدث، ولا شك أن  أهم تلك العوامل هو تحول مسار الوعي الفكري في" أوروبا" الذي رافق صعود الطبقة البرجوازية، فوجد الروائيون أنفسهم أمام الجنس الأدبي الملائم لمواكبة الأحداث، والملبي لحاجة التعبير عن واقع يحكمه التناقض، ويتسم بالغموض في كثير من الجوانب، وهذا ما عدد  اتجاهات المنظرين، فمنهم من اعتمد على المقاربة السيميائية الدينامية، مثل "فلادميير كريزنسكي" ومنهم من اختار المقاربة السوسيولوجية مثل "لوسيان كولدمان" وهناك من انطلق من المنظور التاريخي كما فعل "جورج لوكاش".

 وقد تعددت المقاربات التي سعت إلى فك  الرموز المتعلقة بالرواية، فكانت نقطة الانطلاق مع الفيلسوف الألماني " فردريك هيجل" الذي حاول أن يفسر نشأة الرواية انطلاقا من رؤية فلسفية مثالية.[3]

1)ـ عند هيجل:

يعتبر الفيلسوف الألماني "فردريك هيجل" أول المنظرين للرواية، حيث انطلق من رؤية مثالية تؤمن بعلاقة التقارب بين الملحمة والرواية، فالملحمة عند "هيجل" عبارة عن تقارب بين الذات والموضوع، في إطار انسجام متكامل، ومتناغم، يتجسد في النمط الشعري، أما الرواية فهي تتخذ من نثرية السرد "وسيلة للتعبير عن انفصال الذات والواقع، أو تشخيص الهوة التراجيدية الموجودة بين الأنا والعالم،"[4] وكأنها بنثريتها تعكس تشتت علاقات المجتمع الإنساني، ومع ذلك فهو يصف الرواية التي تمثل عنصر الوحدة بين الذات والموضوع بأنها ملحمة برجوازية، أفرزتها تناقضات المجتمع، وعدم انسيابه، هذا المجتمع الذي بات يفتقد إلى القيم المثالية، والسعادة، والرفاهية، التي كانت موجودة في الملحمة اليونانية، وهو ما جاءت الرواية لتحققه من خلال تلاحم الذات بالموضوع، وتحقيق الوحدة بينهما، ومع ذلك فإن "هيجل" يفضل الملحمة على الرواية، لميله إلى الشعر دون النثر.

 وإذا رجعنا إلى التصور الذي قدمه "هيجل" نجد أن وصفه للرواية بالملحمة، كان نابعا من خصائصها الفنية، مقارنة بالأدب التمثيلي والغنائي، ووصفها بالبرجوازية يرجع إلى السياق التاريخي الذي كان صعود الطبقة البرجوازية أهم ملامحه، وبهذا يكون تصور "هيجل" نبراسا أضاء الكثير من الجوانب المتعلقة بالرواية، ومثل نقطة مركزية في مجال التنظير الروائي، ممثلا بذلك المفاتيح الجوهرية، للدخول إلى عالم الرواية، واستكناه  ماهيتها، وهذا ما أعطى الضوء الأخضر لـ"جورج لوكاش" الذي جاء بعده، وبنى  كثيرا من تصوراته على آرائه، جاعلا منها المنطلق الأساسي لأطروحاته حول الرواية.

2)ـ عند جورج لوكاش:

للوقوف على منبت الرواية في تصورات "جورج لوكاش" لابد من معرفة مساره الفكري وتحديد طبيعته، لا سيما أنه ينحدر من عصر تحركت فيه رياح الفكر، وتفتقت فيه زهور المعرفة، فـ"جورج لوكاش" ليس مفكرا وحسب بقدر ما هو فيلسوف ومنظر ومجدد، وقد مر مساره الفكري بمراحل عديدة، كان أهمها مرحلة ما قبل الماركسية، أي مرحلة الرؤية التراجيدية، ومرحلة الرؤية الطوباوية، ومرحلة الثورة الماركسية، ولا شك أن هذه المراحل توحي بتعدد المشارب المعرفية، والثقافة التي نوعت خلفيته الفكرية، وليس بمقدورنا أن نقف عند كل مرحلة من هذه المراحل، ولكننا سنكتفي بالمرحلة الطوباوية، التي مثلت الرحم الذي ولدت منه نظرية الرواية لاحقا، وتعني الرؤية الطوباوية عند "جورج لوكاش"  تأثره بالنظرية المثالية عند " هيجل" حيث انطلق " لوكاش" من حيث توقف " هيجل" وإن كانت المقاربات التي قدمها المنظران لا تتفق في مساعيها اتفاقا كليا، لكنها تلتقي في كثير من الجوانب، كاعتبارهما الرواية ملحمة برجوازية.

فالطرح الذي قدمه "لوكاش" يعتمد على أصالة برجوازية الرواية  " ويعني هذا أن الطبقة البرجوازية هي التي اتخذت الرواية أداة للتعبير والنضال، وذلك في صراعها مع الطبقات المناوئة، ولا سيما طبقة الإقطاع، ورجال الكنيسة، والطبقة البروليتارية"[5]

وقد انطلق "جورج لوكاش" في تنظيره للرواية  من نظرة مادية مركزا على فكرة أساسية "هي فكرة رفض واقع الحياة السائدة في المجتمع البرجوازي الرأسمالي، وقضية البحث عن الحياة الحقة ، الحياة كما ينبغي أن تكون، والتنظير لها من خلال تنظير الأدب [و] تنظير الرواية بشكل خاص"[6]

فـ"جورج لوكاش" يتخذ مسلكا تنظيريا صرفا، يمزج بين الفلسفة، والأدب، وهو ما جعل لأطروحاته سمة خاصة، جعلها تختلف عن ما قدمه أضرابه في حقل التنظير الأدبي، فهو لا ينظر إلى الرواية من الناحية الفلسفية والتاريخية  فحسب، بل يعتبرها بنية دلالية، تترابط فيها مجموعة من العلاقات لذلك "يريد كشف ماهيتها، وتقديم وصف       فينو مينو لوجي  لروح الرواية، وللطريق الروحي الذي سلكه كتاب الرواية في جميع العصور(...)وهو حين يفعل ذلك لا ينظر إلى الرواية كظاهرة معزولة، مستقلة، بل كجنس أدبي سبقته أجناس أدبية أخرى كا (الملحمة ــ التراجيديا ــ الفلسفة)[7]

فالرواية في تصوره ليست سوى ملحمة في عصر جديد، فلكل عصر ملاحمه التي تميزه، إلا أن الملحمة في طورها الجديد تتخذ من النثر أداة تعبيرية، وتنطلق من رؤى و أفكار الطبقة البرجوازية، هذه الطبقة التي تحمل تصورات مختلفة عن التصور اليوناني القديم، " فصورة العالم في ذهن البرجوازي تتآلف من قوى مادية ملموسة، ليس من أرواح و أشباح، [فـ] ما يتقرر على الأرض يقرره البشر وحدهم، من دون تدخل أي قوة من القوى الغيبية (...) [فـ] العالم في نظر البرجوازي يصنع بالعمل لا بالأدعيات ،[فـ] لا ينتظر البرجوازي معجزة، بل صار هو نفسه صانع المعجزات"[8]

فهذا التصور القديم عن العالم، صنعته الطبقة النبيلة والراقية في المجتمع، أما التصور الأخير فهو من صنع الطبقة البرجوازية، وكما أن التصور القديم تمثله الملحمة، فإن التصور الجديد تمثله الرواية.

فنظرية الرواية هي نظرية حول دلالة الرواية، تناولها "جورج لوكاش" من منظور ديالكتيكي وفلسفي، فهي بذلك عمل تنظيري للأدب من خلال جنس الرواية، وهذا التنظير القائم على العلاقة بين الفلسفة، والأدب،     و التاريخ، مثل فترة المخاض لمسيرة التنظير لهذا الجنس الأدبي،

وقد دارت نظرية الرواية عنده حول موضوعين أساسيين ، يتمثل المحور الأول في تصور فلسفة تاريخية للأشكال الأدبية، بينما يتجسد المحور الثاني في محاولته لنمذجة الشكل الروائي.



[1] د.جميل حمداوي.مستجدات النقد الروائي.ط الأولى.2011. ص12

[2] المرجع نفسه.ص12

[3] المرجع نفسه.ص 12

[4] المرجع نفسه ص13

[5] الرجع نسفه ص 15

[6] جورج لوكاش ـ نظرية الرواية ـ ترجمة الحسين سحبان ـ منشورات التل ـط العربية الأولى 1988ـ ص7

[7] المصدر نفسه ص 7

[8] خنا عبودـ من تاريخ الرواية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق ـ 2002ـ ص ـ 14

أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع