القائمة الرئيسية

الصفحات

تحليل قصيدة "إجازة قصيرة" للشاعر الفلسطيني محمود درويش، الأسلوبية النفسية كمنهج تطبيقي

 

محمود درويش
محمود درويش


تحليل قصيدة "إجازة قصيرة" للشاعر الفلسطيني محمود درويش، الأسلوبية النفسية كمنهج تطبيقي

وسنحلل هذه القصيدة انطلاقا من المستويات التالية:

1ــــ المستوى التركيبي

2ـــ المستوى التصويري

3ـــ المستوى الإيقاعي

أولا: قراءة في القصيدة

"إجازة قصيرة"

صدقت أني مت يوم السبت،

قلت: علي أن أوصي بشيء ما

فلم أعثر على شيء...

وقلت: علي أن أدعو صديقا ما

لأخبره بأني مت

لكن لم أجد أحدا...

وقلت: علي أن أمضي إلى قبري

لأملأه، فلم أجد الطريق

وظل قبري خاليا مني

وقلت: علي واجب أن أؤدي واجبي:

أن أكتب السطر الأخير على الظلال

فسال منها الماء فوق الحرف...

قلت: علي أن آتي بفعل ما

هنا، والآن

لكن لم أجد عملا يليق بميت

فصرخت: هذا الموت لا معنى له.

عبث وفوضى في الحواس،

ولن أصدق أنني قد مت موتا كاملا

فلربما أنا بين بين

وربما أنا ميت متقاعد

يقضي إجازته القصيرة في الحياة!

ثانيا: تحليل القصيدة

1ـــ المستوى التركيبي:

افتتح الشاعر النص بجملة خبرية تفيد الثبوت والتحقق على معياري الأسلوب البلاغي والتركيبي، إلا أنها في طياتها تحمل الكثير من التردد والانزياح عن مسلمات الواقع، فهي تصور لحظة من لحظات التأمل للواقع الفلسطيني، ذلك الواقع الذي يعيش فيه الفرد تحت ظلال الموت، إنه الواقع الفلسطيني الأليم الذي يجعل الفرد خاضعا لقوانينه، فيعيش المستقبل حاضرا وهو مستقبل مظلم.

إن المقطع الأول من القصيدة يصور ملامح الذات الفلسطينية، وهي ذات تعيش بين زمنين متناقضين، زمنها الحاضر الذي تعيش فيه بين أسباب الموت، وزمن المستقبل أو ما بعد الحاضر، وهو زمن نادرا ما يتخيل الإنسان نفسه موجودا فيه لأنه زمن الموت، إلا أن الذات الفلسطينية التي خاضت الكثير من التجارب الفردية، واستطاعت رغم فرديتها أن تقاوم وتعيش تحت رحمة الموت، لذلك تستطيع أن تعيش زمت الموت في أعمق صورة خيالية وأكثرها تعقيدا، هذه الصورة الخيالية التي نجد فيها الذات الفلسطينية تحيى وراء أسوار الموت محاولة أن تكيف الواقع الجديد وتبيئه ليتماهى مع حاجياتها ورغباتها الجديدة، وهي رغبات ما بعد الموت )قلت: علي أن أوصي بشيء ما ،وقلت: علي أن أدعو صديقا ما لأخبره بأني مت ،وقلت: علي أن أمضي إلى قبري...(، هذه هي الصورة الأولية التي نستخلصها من النص، إلا أننا حين نحفر في أعماق النص، ونفتش في طياته نجد  أنه قائم على محورين أساسيين:  )ثنائية الموت والحياة، والحوارية(

ــــــ ثنائية الموت والحياة أو الوجود والعدم: هذه الثنائية التي تتجاذب أطراف النص تبرز صورة عميقة من صور الذات الفلسطينية، إنها الذات الفلسطينية النبيلة التي رغم حدود الموت وانقطاع الإنسان عن العالم الآخر لا تستطيع أن تكون أنانية، فهي تحاول أن توصل يد العون إلى الأمة الفلسطينية ما استطاعت لذلك سبيلا، كأن تترك وصية تشحن بها همم الفلسطينيين )قلت: علي أن أوصي بشيء ما( ولكنها لا تستطيع ذلك فالفراغ الذي خلفه الموت يوصد كل السبل أمامها، فتحاول أن تنعي نفسها لأقرب صديق لها العربي/المسلم )وقلت: علي أن أدعو صديقا ما لأخبره بأني مت( فتتذكر أنها ذات فردية ألبسها الزمن عباءة الوحدة، وقصها من جناح الأمة العربية الإسلامية، ورغم ذلك لا تيأس بل تظل قوية وثابتة حتى تكمل أخر مراسم دفنها، فتواري جسدها الشريف في التراب )وقلت: علي أن أمضي إلى قبري لأملأه،( إلا أن الطريق باتت مسدودة بالجثث والأموات )فلم أجد الطريق( فتقف عاجزة أمام جبروت الموت وبطشه.

وهنا تبرز همة الذات الفلسطينية المشحونة بالقوة والصمود، وهي همة أعظم من كل كبير فلا يتسلل الضعف إليها، فتحاول دائما إيجاد حيلة لتبقى حاضرة أمام قضيتها ومدافعة عنها )قلت: علي أن آتي بفعل ما هنا، والآن( ولكن حدود الموت وإن كانت وهمية أمام خيال الذات الفلسطينية، إلا أنها  حدود صارمة في الواقع المعيش، وأخيرا تستسلم الذات لقدرها المحتوم)لكن لم أجد عملا يليق بميت ( غير أنه استسلام من نوع آخر يتعالى على كل أنواع الاستسلام، إنه استسلام لقضاء الله الذي لا مفر منه، إلا أن الذات الفلسطينية تبقى قوية حاضرة في أذهان الأحياء تصرخ في صمت )ولن أصدق أنني قد مت موتا كاملا(.

ـــــ الحوارية أو الصراع الداخلي في النص: فالنص يقوم على حوار بين الذات الفلسطينية والموت، وهذا الحوار يتجلى في تقابل بين الشكل والمضمون، فالشكل نعني بها الأشكال التعبيرية للأسلوب الحواري مثل استخدام كلمات من قبيل)قلت(، أما المضمون فيمثل الطرف الآخر من الحوار المتجسد في الواقع المعدوم من هذه الذات الفلسطينية والخالي منها، والتي أصبحت في الحياة الأخرى، فيكون الموت محاورا لها من هذا الواقع أو من الحياة الأولى، أو بصورة أوضح فالموت يصور لها الواقع فتجيب نفسها، وكأن الحوار قائم بين الذات الفلسطينية وصوت الموت الذي تردده الذات نفسها.

ــــ الذات: علي أن أوصي بشيء ما

ــــ صوت الموت: فلم أعثر على شيء

ــــ الذات: علي أن أدعو صديقا ما لأخبره بأني مت

ــــ صوت الموت: لكن لم أجد أحدا

ــــ الذات: علي أن أمضي إلى قبري لأملأه،

ــــ صوت الموت: فلم أجد الطريق

ــــ الذات: علي أن آتي بفعل ما هنا، والآن

ــــ صوت الموت: لكن لم أجد عملا يليق بميت

إن حوارية النص هي التي تمنحه الحركية والديناميكية، وهي التي تفسر التقابلات الضدية داخل النص، فالنص في مجمله قائم على مصفوفة من الثنائيات الضدية التي تبرز ضمن حقلين متقابلين:

)حقل الثبوت(                            )حقل النفي(

علي أن أوصي...                 /     فلم أعثر على أحد

علي أن أدعو صديقا...            /    لم أجد أحدا

علي أن أمضي إلى قبري...         /   فلم أجد الطريق

علي أن آتي بفعل...                /   لم أجد عملا يليق بميت

ولا شك أن الأسلوب المهيمن على النص هو الأسلوب الخبري، كما نلحظ الحضور المكثف للجمل الفعلية مما جعل النص في حركية مستمرة.

ينضاف إلى ذلك أن ضمير المتكلم كان مسيطرا على النص، وحاضرا في كل أجزائه وحتى في أدق تفاصيله )صدقت، أني، مت، أوصي، أدعو...( ولا غرابة في ذلك فحضور هذه الذات الفلسطينية في النص هو الذي منحة الطاقة الإيحائية والرمزية، فهي ذات متعالية لا تمشي إلا خيلاء، وحق لها أن تمشي خيلاء فتلك مشية يبغضها الله إلا في هذا المقام.

2ـــ المستوى التصويري:

عندما نتفحص النص في مستواه التصويري نجد أنه لا يحفل بكثير من آليات التصوير البلاغي مما جعل سمة النص الغالبة هي البساطة والمباشرة، وهذا ما يؤكد الفرضية التي أشرنا إلينا سابقا من أن النص تهيمن عليه الذات الفلسطينية، هذه الذات التي لا تختبئ خلف الاستعارات والكنايات، فهي ذات متمردة وذات ثائرة بطبيعتها، لذلك لم تكن سمة الاختباء من صفاتها.

 و هذا النص لا يختلف عن غيره من النصوص الأدبية فهو لا يخلو من بعض الصور التي تلونه وتمنحه الطاقة التخييلية، فمن ذلك ــــ مثلا ــــ الكناية في قوله: )فلم أجد الطريق( والاستعارة في قوله )أكتب السطر الأخير على الظلال(

فسمة النص الغالبة هي الصورة البسيطة والمباشرة في القول، وذلك ــــ كما قلنا ــــ يرجع إلى قوة الحضور التي تمتلكا الذات الفلسطينية، فهي لا تتخذ الكلمات أقنعة في مواجهتها للواقع.

3 ــــ المستوى الإيقاعي:

إن النص من الناحية الإيقاعية ينبني على مجموعة من الآليات المختلفة والعناصر المتباينة، وهي بذلك مجتمعة تشكل نسيج النص ونمطه الإيقاعي، فيمكن أن نلحظ حضور الطباق بنوعيه الإيجابي والسلبي داخل بنية القصيدة )خاليا/أملأه( )الموت/الحياة( )القصيرة/كاملا( )صدقت/لن أصدق(... وهذه الخاصية الأسلوبية التي نجدها شبه طاغية تؤكد ظاهرة التقابل التي ذكرنا سابقا، كما تؤكد الألفاظ التي وظفها الشاعر استحضار ثنائية الموت والحياة أو الوجود والعدم التي تمثل محورا رئيسيا من محاور النص الماثل بين أيدينا.

إلى جانب هذه الخاصية الأسلوبية نلمح خاصية الجناس غير التام )صدقت/صديقا(

)أجد/أحدا( ولا شك أن حضور هذه الخاصية يدل على النقص التي تحسه الذات الفلسطينية، ذلك النقص الذي لا تكمله إلا نسمات الحرية،

تنضاف إلى هذه السمة الأسلوبية آلية التكرار التي تجعل النص في دائرية مغلقة،

)قلت قلت، مت مت، قبري  قبري...(.

أما من الناحية الصوتية فقد طغى على القصيدة صوت )الياء( وهو صوت مجهور يخرج من وسط اللسان، وإذا تأملنا هذا الصوت من الناحية النفسية نجد أن هذا الصوت اقترح نفسه على الشاعر لما فيه من تناسق مع الذات الفلسطينية، فهو صوت مجهور يعكس تمرد هذه الذات وتساميها طلبا لحريتها ووجودها الذي فقدته.

النص أيضا ينبني في موسيقاه الخارجية على مجموعة من الإيقاعات المختلفة، إلا أن تعاقب تفعلتي  السريع والوافر كان لهما الحظ الأوفر في تشكيل بنية النص الموسيقية،

صدقت أني مت يوم السبت )السريع(

صدقت أن/ ني مت يو/ م السبت

مستفعلن/  مستفعلن  / فعلن

وقلت علي أن أمضي إلى قبري  )الوافر(

وقلت علي/ ي أن أمضي/ إلى قبري

مفاعلتن /   مفاعلتن /   مفاعلتن

وهذا التقابل بين تفعلتين متباينتين أضفى على النص سمة التحرك والانطلاق مما أعطى للقصيدة الدوران والتوزيع الإيقاعي، فكأن ذات الشاعر قامت بمعادلة إيقاعية على بنيات النص ليتماهى مع الذات الفلسطينية المتمردة والمتحررة والتي لا تسمح لأي سلطة كانت أن تسييرها أو توجهها.

تعليقات

التنقل السريع