![]() |
| السياسة اللغوية في الجزائر |
السياسة اللغوية في الجزائر
لقد مثل الاستعمار الفرنسي أسوء مرحلة تاريخية
مرت بها دولة الجزائر، فقد أصابها بشلل ثقافي، وجردها من هويتها الثقافية
والوطنية، وأحل اللغة الفرنسية مكان اللغة العربية، فـ"لم يكتف بفرضها ـ
اللغة الفرنسية ـ في ميدان التعليم فقط بل فرضها أيضا في الإدارة، والمحيط
الاجتماعي، وأجهزة الإعلام فرضا، كما فرض على المدن والمؤسسات أسماء جديدة لقادة
الاحتلال من أمثال (بيجو) و (كلوزيل) و (لافيجري)... وكانت تهدف السياسة الفرنسية
من وراء ذلك كله إلى جعل البيئة الجزائرية قطعة من البيئة الفرنسية"[1].
إن الفكر الاستعماري عموما يسعى إلى فرض هيمنة
ثقافية على الشعوب الأخرى، وإحلال ثقافته وفكره ولغته بديلا عن ثقافتها وفكرها
ولغتها، فالسياسة الاستعمارية تهدف أو ما تهدف إلى طمس ثقافات الشعوب في مقابل
إظهار عظمة أوروبا وحضارتها وسيطرتها[2]،
وقد اتخذ الفكر الاستعماري التعليم واللغة وسيلتين لتطبيق هذه السياسة العدوانية،
ولم تكن الجزائر إلا جزء من هذه الخطة التي وضعتها فرنسا، حيث " عمد
الاستعمار الفرنسي إلى جعل اللغة الفرنسية لغة رسمية بالقضاء على اللغة العربية
تمهيدا لطمس الهوية الجزائرية بجعل الجزائريين فرنسيين فأقصى اللغة العرية، وأثبت
لغته قهرا وعدوانا"[3].
وقد اعتمدت فرنسا في سبيل القضاء على اللغة
العربية، وترسيم اللغة الفرنسية مكانها سياسة لغوية تتمثل في:
ــ فرض اللغة
الفرنسية في المجال الرسمي، فالوثائق الإدارية لا تقبل إذا كانت باللغة العربية.
ــ منع تأسيس أي
مدارس أو معاهد تعتمد اللغة العربية في تدريس المواد.
ــ وجوب إتقان اللغة
الفرنسية على هيئات التعليم العالي من أجل الحصول على رخصة التعليم من الإدارة
الفرنسية[4].
"ولقد كان لهذه السياسة الاستعمارية نتائج
خطيرة في مقدمتها الحد من نظام التعليم فقد حرمت أجيالا من التعليم واكتساب
المعرفة وظلت تعاني الجهل أمدا غير قصير."[5]
فالمحتل الفرنسي وضع "أهدافا أساسية لسياسته التعليمية في الجزائر، تتمثل في
القضاء علر الشخصية الوطنية الجزائرية بكل أبعادها ومقوماتها الأساسية، تمهيدا
لدمجها في المجتمع الفرنسي من خلال مناداته بالجزائر فرنسية، ولن يتحقق له ذلك إلا
من خلال سلخ هذا الشعب من جذوره كما دعا لذلك الكاردينال لافيجري"[6].
ولولا قيام الثورة الجزائرية والمطالبة بالاستقلال والحرية لتلاشت الهوية
الجزائرية وذابت تحت وطأة الثقافة الفرنسية.
وقد
ورثت الجزائر "نظاما تربويا أو هيكلا تربويا كما يسميه بعضهم، كان
يقوم على خدمة الاستعمار الفرنسي وتحقيق أهدافه المتنوعة في الجزائر، وكان هذا
النظام أو الهيكل لا يستجيب لرغبات
المجتمع الجزائري وطموحاته وتطلعاته إلى النهضة العلمية والتربوية (...) وعلى وجه
الإجمال يمكن القول بأن مضامين مناهج التربية والتعليم في عهد الاحتلال لا تواكب
مسيرة تطور العصر (...) وإنما تستهدف القضاء على مقومات الشخصية الجزائرية، بما
تحويه من ثقافة ولغة ودين وتاريخ ووطن"[7]
فكانت أولى الخطوات التي قامت بها بعد الاستقلال هي إعادة هيكلة نظامها التربوي،
واتباع سياسة لغوية ممنهجة تهدف من ورائها إلى تعريب التعليم وجعل اللغة العربية
لغة التواصل والمدرسة والإدارة والإعلام. فـ" من الكبيعي على الجزائريين بعد
حرب التحربر وتحقيق الاستقلال وإثبات السيادة الوطنية أن يعيدوا الأمور إلى مجراها
الطبيعي وذلك بإعادة اللغة العربية إلى مكانتها من حيث هي لغة دين وثقافة وتعامل
يومي"[8]
ومن هنا بدأت عملية تعريب التعليم في الجزائر لإثبات السيادة الوطنية من جهة،
وتطهير المجتمع الجزائري من مخلفات الاستعمار الفرنسي من جهة أخرى. ومن أبرز
التغييرات التي شهدها النظام التربوي في الجزائر والمراحل الي مر بها:
ــ مرحلة 1962 ـ 1970:
فـ"من أجل
تجسيد سياسة التعريب هذه اختارت السلطات الجزائرية التعليم منطلقا، ففي أول دخول
مدرسي للجزائر المستقلة أي في شهر اكتوبر 1962م اتخذت وزارة التربية آنذاك قرارا
يقضي بإدخال اللغة العربية في جميع المؤسسات التعليمية التابعة لها بنسبة سبع
ساعات في الأسبوع."[9]
وقد مثل هذا القرار الانطلاقة الفعلية لعملية التعريب، وبداية مرحلة جديدة في
التاريخ الجزائري.
ومن أهم الإجراءات المتخذة في هذه المرحلة:
ــ ترسيم اللغة
العربية والدين الإسلامي في مناهج التعليم.
ــ توجيه عناية
لدروس التاريخ وتصحيح مسار تدريس هذه المادة.
ــ إبطال القوانين
والإجراءات المدرسية التي تتعارض مع السيادة الوطنية.
وعملا بهذه القوانين فقد تم تعريب المراحل
الأولى من التعليم الابتدائي، حيث تقرر تعريب السنة الأولى ابتدائي 1965، والسنة الثانية 1967، ثم تتابعت سياسة
التعريب حتى عربت سنوات التعليم الابتدائي تعريبا كاملا، وتم تعريب الأدب والمواد
الاجتماعية.[10]
ــ مرحلة 1971 ـ 1980:
"جاءت هذه المرحلة بعد مرور ثماني سنوات
من عمر المدرسة الجزائرية، واصلت فيه المدرسة الجزائرية رحلة البحث عن الذات من
خلال تعريب التعليم الابتدائي تعريبا كاملا"[11]
وقد تم في هذه المرحلة العمل بنظام الأقسام المزدوجة في لغة التدريس كمرحلة
انتقالية، فظهرت أقسام مزدوجة اللغة وأخرى معربة[12].
وقد شهدت الأقسام المزدوجة تراجعا كبيرا بينما حققت الأقسام المعربة تطورا ملحوظا
في مجال التعليم[13]،
إضافة إلى أن هذه المرحلة تضمنت "إنشاء المدرسة الأساسية والتي جاءت لجزأرة
المضامين والأطر والغايات والأهداف"[14]
ومن أهم الغايات التي سعت المدرسة الأساسية لتحقيقها:
ــ ضمان التعليم لكل
جزائري لمدة 9 سنوات، والتعليم مجاني وإجباري.
ــ التعليم باللغة
العربية وفي جميع مستويات التربية والتكوين وفي جميع المواد.[15]
ويمكن اعتبار
المراحل اللاحقة ( 1981 ـ 1990) (1991 ـ 2002) ( 2002 ـ وحتى يومنا هذا) امتدادا
لهذه المرحلة، وتجسيدا لأهدافها وإجراءاتها، وعملا بالخطط التي رسمت فيها.
والخلاصة أن "اللغة العربية جزء من كيان
الشخصية الجزائرية، وأصبحت لتغلغلها في النفوس ومكانتها هي الوسيلة والأداة في
التعامل في شتى مجالات الحياة الإدارية والتربوية وأحيانا العلمية. وهي في
المنظومة التربوية لغة التدريس؛ ومن هنا يبرز دورها في تفعيل العملية التعليمية ـ
التعلمية."[16] وقد
استطاعت الجزائر خلال فترة وجيزة أن تعيد ترميم الهوية الوطنية والثقافية للمجتمع
الجزائري، وتخرج من هذا الصراع الثقافي وهي محملة بثقافتها ولغتها وفكرها وتاريخها.
و إذا كنت تريد التعمق في الموضوع أكثر فهذا الفيديو سيقدم لك شرحا تفصيليا عن السياسات اللغوية في الجزائر
نصيرة زيتوني. واقع اللغة
العربية في الجزائر. مجلة جامعة النجاح للأبحاث (العلوم الإنسانية). المجلد 27.
(10). 2013. ص 2159.[1]
محمد الراظي ولد صدفن.
السياسة الاستعمارية الفرنسية في موريتانيا وأثرها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية
(1900 ـ 1969). [2] المطبعة الوطنية. ص 85.
عز الدين صحراوي.اللغة
العربية في الجزائر: التاريخ والهوية. مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية
والاجتماعية. العدد 5. الجزائر. كلية[5]
الآداب جامعة محمد خيضر. جوان 2009. ص 77.
إبراهيم هياق. اتجاهات
أساتذة التعليم المتوسط نحو الإصلاح التربوي في الجزائر أساتذة متوسطات أولاد جلال
وسيدي خالد نموذجا. السنة[6]
الجامعية 2010 ـ 2011. ص
120.

تعليقات
إرسال تعليق