![]() |
| إليا أبو ماضي |
قصيدة "ابتسم" لإيليا أبو ماضي
دراسة أسلوبية
مقدمة:
لقد نتج عن تطور اللسانيات في العصر الحديث ظهور عدة مناهج جديدة تحاول ان
تكشف عن مكامن الحسن في النص الأدبي ومعالجته من طرق شتى، وقد اختلفت هذه المناهج
وتعددت بدءا من البنيوية بفروعها، ثم التداولية والتفكيكية إلى الشعرية
والسيميائية والأسلوبية، إلا أن هذه المناهج رغم تفرعها واختلافها تشترك في قاسم
هو اعتماد اللغة كأساس لقراءة النصوص الأدبية.
وكان اختلاف هذه المناهج وتعددها عاملا بارزا ساعد في إغناء الدراسات المتعلقة
بالنصوص الأدبية إذ أصبحت تتناول من عدة جوانب تبعا للمنهج المعتمد، فأصبح النص
نصوصا متعددة ومختلفة.
ومن بين هذه المناهج اخترنا المنهج الأسلوبي أو الأسلوبية لنحاول تحليل قصيدة ابتسم لإيليا ابو ماضي من خلال رؤيته الأدبية فما هي الأسلوبية؟ وما هي أنواعها ومرتكزاتها؟
ـ الجانب التطبيقي:
ــ قراءة القصيدة:
هذه القصيدة لإيليا أبو ماضي صوت النشاز داخل المدرسة الرومانسية المتبتلة في
محراب التشاؤم، إذ كان دائم التفاؤل والدعوة إليه ولعل خير دليل على ذلك النص الذي
بين أيدينا.
ب ـ تحليل القصيدة:
ـ المستوى الدلالي:
نجد الشطر الأول من البيت الأول بدأ بقال، وبدأ الشطر الثاني من نفس البيت
بقلت مؤذنا ذلك بأن القصيدة تعتمد أسلوب الحوار لتوصيل المغزى والهدف المنشود.
فالقصيدة تقوم على حوار داخلي بين اثنين أحدهما حزين و الآخر يرد عليه، ويحاول أن
يخفف عليه حدة الألم والحزن.
إذ يقول المتشائم الحزين بأن السماء كئيبة وتجهم بعد ذلك، فيرد عليه الآخر بأن
يبتسم إذ يكف التجهم في السماء، وهو ليس مجبرا بأن يتجهم كلما تجهمت السماء
فليبتسم تاركا للسماء الكآبة والتجهم.
فيأتي الحزين بحجة جديدة هي أن عهد الشباب قد ولى إلى غير رجعة، وهو حزين
لذلك، فيرد عليه محاوره بأن يبتسم، إذ لن ترجع الكآبة شبابه المتصرم.
فينتهي الحزين من تلك النقطة ليشرع في أخرى فيقول أن حبيبته خانت عهوده بعد أن
جعلها ملكة على عرش قلبه، فكيف يبتسم مع ذلك، فيرد عليه الآخر أن يبتسم حتى وإن
كانت حبيبته قد فعلت معه ذلك، فلو قارن إحسانه إليها بإساءتها إليه لعاش حياته
متألما لذلك، فعليه أن يبتسم ويمضي في حياته.
ولكن هذا الشخص الحزين صعب الإقناع فجاء بحجة جديدة للحزن والتشائم فقال بأن
أموره المادية صعبة، وأن الأعداء تربصت به، وأن الديون تكالبت عليه، ولكن الجميل
أنا الآخر المحاور له لا يزال يصر على دعوته إلى الإبتسامة ويعلل له ذلك بالتركيز
على النصف المملوء من الكأس، فهو لا يزال حيا، وهذه أكبر نعمة، وليس من أحبته
خاليا معدما.
كما نجده يدعوه ليس لمجرد الإبتسامة فقط بل يدعوه أيضا ليكون مثالا يحتذى
لغيره في التبسم والتفاؤل، ويخبره على شكل استفهام بأنه لن يكسب بالكآبة شيئا
مذكورا، كما لن يخسر بالتبسم مغنما ... ولكن الشخصية الحزينة في النص لا تزال
متمسكة برأيها رغم كل المحاولات فقال بأن البشاشة قاصرة عن إسعاد شخص أتى إلى
الدنيا كما سيذهب عنها رغما عنه، فختم المتفائل الحوار كما بدأه بالدعوة إلى
التبسم فحثه على التمسك والمحافظة على الابتسام حتى ولو لم يكن بينه مع الموت سوى
شبر واحد لأنه بعد ذلك لن يبتسم.
وقد كان المعجم المعجم الطاغي في النص هو معجم السعادة ولعل خير دليل على ذلك
هو تكرار كلمة ابتسم في أكثر من موضع ولكن هذا لا يمنع من وجود معاجم أخرى وإن
بشكل محدود كمعجم الفلك: السماء، الشهب، النجوم، ... ومعجم الحرب مثل : القتل،
العدى، الجرم، الدم، الأعداء،... بالإضافة إلى المعجم الإقتصادي المالي كالتجارة،
درهم، مغنم، تخسر...
وقد أعطى أسلوب الحوار للقصيدة قيمة دلالية أبرزت جانبا هاما من جمال الدنيا
المشرق، كما عكست كما هائلا من الروح العالية عند المحاور، ودررا من الحكمة ليحاور
الشخص المكتئب داخل النص، كما أن أسلوب الحوار أكثر جذبا للقارئ خاصة أن الحوار
كان لضمير الغائب وهو ما يجعل كل فرد يقرأ النص قد يتصور أن الخطاب له شخصيا، وهذا
من أبلغ المعاني الدلالية التي عكستها القصيدة وأجملها.
ـ المستوى الإيقاعي:
ـ الإيقاع الخارجي:
القصيدة جاءت على رنة أحد أشهر البحور الخليلية واكثرها سهولة وأروعها في
السمع ألا وهو بحر الكامل:
كمل الجمال من البحور الكامل
متفاعلن متفاعلن متفاعلن
مع بعض الزحافات البسيطة كتسكين الثاني المتحرك التي حدثت في عدة تفعيلات.
وقد كان المطلع مصرعا، والروي حرف الميم موصولا بحرف الألف، الذي يعبر عن
إخراج النفس من الصدر مع نهاية كل بيت وهو ما يعبر عن تجديد الحياة والتخلص من
الحزن والكآبة، هذا بالإضافة إلى سهولة الحرف في النطق واتساع مخرجه لهواء الصوت.
والقافية جاءت مطلقة، وقد كانت أبيات النص جميعا ملتزمة بنفس الروي ومحافظة
على وصله.
ـ الموسيقى الداخلية:
نجد طغيان بعض الأصوات في هذه القصيدة كصوت السين: السماء، ابتسم، نفسي،
المواسم، المسافر... ويناسب هذا الصوت مقام ومقصد القصيدة، لما فيه من تنفيس
للحزين كما يعطي إيقاعا متميزا وصفيرا في النطق، كما تكرر صوت القاف في النص كثيرا
ويعبر عن الإيقاع النفسي للحزين وهو ما أضفى على القصيدة بهاءا ورونقا.
كما يلاحظ استبعاد الحروف المستثقلة في النطق من النص كحرف الضاد والثاء
والظاء... لأن النص يعكس قيم السعادة والتفاؤل ولا يتناسب مع ذلك إلا الحروف
السهلة الواضحة.
وإلى جانب تكرار بعض الحروف، تكررت كلمات دون غيرها في هذه القصيدة مثل:
ـ ابتسم: التي ورد ذكرها كثيرا وكأن المحاور يريد أن يبعث للمتألم الحزين شيئا
من الابتسامة التي قد يتقبلها عقله الباطن.
ـ السماء: ويعطي تكرارها قيمة دلالية وكأن النص يريد أن يجعل من السماء في
سموها وبهائها وصفائها متنفسا للحزين المتشائم.
ـ قال،قلت: وقد تكررت هي الأخرى كثيرا وتعكس معنى جميلا يتمثل في كون المخلص
الوحيد للمكتئب من حزنه وتشاؤمه هو في بوحه بما يثقل كاهله من هموم ومحاولته
لإيجاد من يخفف عنه ويقدم له حلولا تخرجه من حزنه.
كما احتوى النص على محسنات لفظية كالجناس: حولي/حولي، قال/قلت، تجهما/التجهم،
السماء/السماء، الصبا/الصبا، مجرما/مجرما، جرعتني/جرعت، العلقما/العلقما،
مرنما/مرنما... كما احتوى النص على الطباق كما في: صارت/كانت، تغنم/تخسر، يأتي/يذهب،
متألما/مبتسما، دائها/شفائها، الكآبة/البشاشة، تعرضت/بدت، معدم/حيا، ابتسم/لن
تبتسما...
ـ المستوى التركيبي:
يلاحظ في هذا المستوى طغيان الأسلوب الخبري على القصيدة وما ورد من الأسلوب
الإنشائي هو الاستفهام الذي جاء ضمنيا على شكل خبري.
كذلك طغت الجمل الفعلية في النص على الجمل الإسمية وهو ما يدل على حركية
وديناميكية النص وعدم ثباته.
وسيطرت الجمل الفعلية الماضية على المضارعة في القصيدة.
ـ المستوى التصويري:
كثرت الصور البلاغية في النص وتنوعت وهو ما أضفى سمة أسلوبية مميزة على
القصيدة، منها على سبيل المثال لا الحصر التشبيه في البيت:
قال السماء كئيبة وتجهما
قلت ابتسم يكفي التجهم في السما
فشبه كآبة السماء وعدم صفائها بالتجهم في وجه الشخص وحزنه، كما نجد تشبيها في
البيت:
قال التجارة في صراع هائل
مثل المسافر كاد يقتله الظما
حيث شبه التجارة بالرجل المسافر المتعب الظمآن الذي كاد يقتله العطش، كما نجد
استعارة في البيت:
فاضحك فإن الشهب تضحك والدجى
متلاطم ولذا نحب الأنجما
فهو هنا اعتبر أن الشهب في السماء تضحك وهي استعارة إذ نسب الفعل لغير فاعله.
الخاتمة
ومما سبق نستنتج ان القصيدة برعت في سبك حوار رائع مشتمل على كثير من الحكمة والإقناع ، كما نلاحظ مما تقدم ما للمنهج الأسلوبي أو الأسلوبية من رؤية عميقة للنص الأدبي إذ تتناول بلاغيا وجماليا ودلاليا وبذلك تغدو مكونات الجملة تحمل معان مسطحة وأخرى عميقة تصل إليها الدراسة الجادة للنص الأدبي .

تعليقات
إرسال تعليق