القائمة الرئيسية

الصفحات

السياسة اللغوية في التراث العربي

 

بيت الحمة
السياسة اللغوية في التراث العربي


السياسة اللغوية في التراث العربي

    من نافلة القول إن مصطلح السياسة اللغوية  مصطلح حديث، ذلك أن الدرس اللساني لم يعرف هذا المفهوم قبل فيشمان الذي استخدمه أول مرة في كتاب نشره 1970، وقد مثلت أفكار فيشمان بالإضافة إلى ماقدمه هوغن إيذانا بميلاد مشغل جديد وبزوغ فرع جديد من فروع اللسانيات التطبيقية أو اللسانيات الاجتماعية.

   ولئن كان هذا الفرع من اللسانيات حديثا مقارنة مع غيره، إلا أن الممارسة الفعلية أو ما يمكن أن ينضوي تحت هذا المفهوم من مباحث قديم قدم اللغة نفسها أو على الأقل قديم قدم التعدد اللغوي،[1] فكلما وجدت ظاهرة التعدد اللغوي أو ظاهرة اللغة / المجتمع كان هناك حضور قوي للسياسة اللغوية تحت مسميات أخرى. فالمتصفح للتاريخ البشري يصادف كثيرا من المحاولات التي يمكن إدراجها ضمن السياسة اللغوية، وإن كانت لاترقى إلى مستوى النضج والتفكير الذي وصلت إليه المقاربات اللسانية  منتصف القرن الماضي، بيد أن هذه المحاولات تعكس مرحلة مهمة من مراحل تطور الفكر اللساني / الاجتماعي، وستمثل التصورات والأفكار التي قدمت في هذه المرحلة على اختلاف البيئات التي قدمت فيها مرجعا أساسيا للسانيات عموما واللسانيات الاجتماعية على وجه الخصوص.

   إن التفكير الإنساني  في مجمله حافل بالإنتاج في شتى المجالات، وتبقى خصوصية الثقافة هي الحدود الفاصلة في هذا التفكير، فلكل ثقافة طابعها الذي يميزها عن غيرها من الثقافات، وهذا التمايز هو الذي شجعنا على صوغ هذا العنوان «السياسة اللغوية في التراث العربي» ونحن هنا لا نقوم بتأصيل للسياسة اللغوية في الثقافة العربية وإن كان هذا الطرح قائما على الأقل من الناحية النظرية، إلا أننا نعتبر أن بعض المحاولات يمكن أن نطلق عليها السياسة اللغوية / العربية أو اللبنات الأولى للسياسة اللغوية العربية، فما تبنته الدول العربية في مرحلة مابعد الاستعمار الأوروبي من سياسات لغوية هوفي الحقيقة امتداد لما أنتجه الفكر اللساني العربي بطريقة أو بأخرى، وسنقف على جانب من هذا الفكر اللساني مع بعض التفصيل والإيجاز في الوقت نفسه.

1 ـ توحيد المصاحف:

   "إن المتأمل في جمع المسلمين على مصحف واحد والأسلوب الذي اتخذه الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه ليعطينا نموذجا حيا لما يمكن أن نسميه السياسة اللغوية"[2] فحين علم باختلاف القراءات داخل الدولة الإسلامية عمد إلى لم شمل المسلمين "على مصحف واحد، وحرف واحد، وخرق ما عدا المصحف الذي جمعهم عليه، وعزَم على كل من عنده مصحف « مخالف» المصحف الذي جمعهم عليه، أن يحرقه، فاستوثقت له الأمة على ذلك بالطاعة"[3].

   إن هذا التصرف الذي قام به الخليفة عثمان بن عفان، وتوحيد المسلمين على لغة واحدة هي لغة قريش والتي بها نزل القرآن، وانصياع المسلمين لذلك، كفيل أن يقدم لنا تصورا واضحا عن السياسة اللغوية في تلك الفترة، فقد خطا خطوة كبيرة " تتمثل في جمع المسلمين على مصحف إمام واحد. ولتحقيق هذه السياسة اتخذ خطة حكيمة، ألا وهي الأمر بعمل أربع نسخ متماثلة من مصحف أجمع عليه أئمة الصحابة وتوزيعه في الأمصار والأمر بحرق ما سوى تلك النسخ من مصاحف"[4].

   ويمكن أن نستنتج من هذه الخطوة التي أقدم عليها عثمان بن عفان عدة أمور:

ــ أن هذه السياسة اللغوية الحكيمة سوف توحد المسلمين على لغة واحدة هي لغة قريش، على الأقل فيما يتعلق بقراءة القرآن وممارسة بعض الشعائر الدينية.

ــ أن هذه السياسة اللغوية سوف تحل مشكلة التعدد اللهجي أمام الراغبين في الدخول إلى الإسلام من الأمصار المفتوحة.

ــ أن الفكر اللغوي الذي سينشط لاحقا سيكون جل اهتمامه بلغة قريش والتقعيد لها، ودراسة نصوصها الشعرية والنثرية باعتبارها لغة القرآن، وهذا سيولد اهتماما أقل باللهجات العربية الأخرى.

ــ أن الأمة الإسلامية ستجد نفسها خلال قرنين أو ثلاثة تتكلم بلغة واحدة، وتقرأ بها، وتتعامل بها، وهي لغة القرآن (لغة قريش)، وإن كان هناك وجود للهجات العربية الأخرى فهو وجود ضعيف في حدود هيمنة لغة قريش على ألسنة العوام والخواص.

2 ـ تعريب الدواوين:

    من الأمثلة الجلية للسياسة اللغوية السليمة " تعريب الدواوين الذي بفضله تمكنت الخلافة الإسلامية من توحيد الأمم المختلفة وإدارة شؤنها بنظام لغوي واحد"[5] وقد "جاءت عملية تعريب الدواوين ضمن الخطة المرسومة لسياسة الدولة الإصلاحية التي بدأها الخليفة عبد الملك بن مروان وأكملها الخلفاء الذين جاءوا من بعده، والتي تضمنت نقل الدواوين من اللغات الأجنبية: الفارسية، واليونانية، والقبطية إلى اللغات الأخرى"[6]، وقد رافق هذه العملية السياسة نشاط فكري وثقافي أدى إلى ترسيخها داخل المجتمع وتقبلها بشكل ملحوظ حتى اعتبرت من "الأحداث العظيمة والجليلة التي قام بها عبد الملك"[7] أثناء خلافته على المسلمين.

    "وماهو واضح أن العربية ازداد استعمالها طرديا مع الزمن بينما كان استعمال اللغات الأخرى عكسيا مع تقدم الزمن. وبالإمكان القول إن الربع الأخير من القرن الأول الهجري هو البداية الحقيقية لتراجع اللغات الأجنبية في الدواوين المالية أمام الغة العربية"[8]، وليس من المستبعد أن تكون هناك مقاومات من اللغات الأجنبية لصعود العربية الفصحى، فلغات مثل اليونانية والفارسية لها تاريخ طويل في الثقافة الإنسانية ليس من السهل تجاهلها وتناسيها بين عشية وضحاها،[9] بل إن الخطة التي رسمها الخليفة تقتضي نوعا من التدرج في إدخال اللغة العربية وإقصاء اللغات الأخرى.

   ومما ينبغي الإشادة به في هذا التحول اللغوي أن حركة التعريب" لم تعمل أبدا على محو الخصائص الثقافية أو الدينية أو الفكرية لمن انضوى تحت لوائها ممن كانوا ينتمون إلى لغات أخرى، وإنما خلقت هوية ثقافية كبرى من خلال اللغة العربية"[10] فاتسعت لآراء المشككين والفلاسفة، ورموز الشعراء وأساليب الكتاب، بل استطاعت احتواء معادلات الرياضيين والكيميائيين، وعقائد أصحاب الديانات والملل المختلفة[11]. وهذا ما جعل مرحلة التعريب "مرحلة حاسمة في التطور الإداري والثقافي والاستقرار السياسي والاقتصادي. وربما كانت هذه الحركة أهم حدث ثقافي سياسي بعد جمع القرآن"[12] لكونها جمعت المسلمين على كلمة واحدة، وعلى لغة واحدة تتعانق فيها ثقافات الشعوب المختلفة دون أن يحدث ذلك تغييرا جذريا في نظامها اللغوي أو عجزا في بنيتها المعجمية.

  ويمكن إجمال أبرز النتائج لسياسة التعريب في النقاط التالية:

ــ انتشار لغة القرآن الكريم، وتعزيز مكانتها، إذ أصبحت لغة التفاهم والتواصل اليومي، ومن خلالها طغت الثقافة العربية على غيرها من الثقافات.

ــ أدى تعريب الدواوين إلى تعريب الأقاليم والأمصار غير العربية.

ــ اهتمام الموالي بتعلم اللغة العربية لكونها الطريق الأمثل لتقلد المناصب والمراتب في الدولة.[13]

  هذه عموما هي مجمل النتائج التي حصدتها حركة التعريب، وسيكون لها أثركبير في توسيع دائرة الثقافة العربية الإسلامية، وإثرائها، وتقليص الهوة بينها وبين الثقافات العالمية.

3 ـ إنشاء بيت الحكمة:

    من الأمثلة القوية على انتشار الوعي القومي والديني في التراث العربي، وبروز فكرة الهوية العربية، الصدام الثقافي الذي وقع بين تيار الشعوبية وتيار العروبة وغيرهما من التيارات التي مثلت إطارا للحوارات الثقافية داخل بلاطات بني العباس، فلم تكن حركة التعريب بالأمس إلا تمهيدا لمرحلة أكثر نضجا وتطورا وأكثر قدرة على الحد من شيوع اللغات الأخرى وانتشارها. وقد تمخض عن هذا الحراك الثقافي نتائج كان من أبرزها سياسة التعريب التي انتهجها هارون الرشيد "والتخطيط لذلك وتنفيذه من خلال إجراءات عملية تمثلت في إنشاء بيت الحكمة"[14] الذي جسد المعنى الحقيقي للسياسة اللغوية الرشيدة. وتتميز سياسة التعريب في عهد هارون الرشيد أنها لم تقتصر على تعريب الدواوين فقط، وإنما تجاوزت ذلك إلى ترجمة العلوم ونقلها إلى اللغة العربية، فـ"في أيام الرشيد تبلورت حركة الترجمة وأخذت الطابع الرسمي بعد أن أغناها ما حمل إلى بغداد من كتب الطب والنجوم والحكمة والعلوم الأخرى"[15].

   إن سياسة الترجمة والتعريب التي تبناها خلفاء بني العباس جعلت الحضارة العربية تتربع على قمة الهرم الثقافي في تلك الفترة حتى أصبحت ثقافة عالمية تضم ألوان المعرفة والعلوم، وتتسع لشتى التوجهات والتيارات الفكرية والعقدية، وهذا ربما يرجع إلى أن بيت الحكمة ليس هو المركز الوحيد الذي تم تشييده، فهناك من يرى أن" ظاهرة خزانة الحكمة لم تبق وقفا على بلاط الرشيد، بل غدت لونا معروفا في القصور الأخرى، شأن مجالس الأدب والغناء ورعاية المترجمين؛ وكان من الطبيعي أن يتنافس أصحاب تلك القصور في إنشائها وتجهيزها وإغنائها"[16].

   ويمكن تلخيص المهام المنوطة بالقائمين على بيت الحكمة في النقاط التالية:

ــ  البحث عن الكتب النفيسة، واقتنائها وحفظها.

ــ ترجمة العلوم ونقلها إلى اللغة العربية.

ــ التأليف، حيث كان بعض المؤلفين ينقطعون إلى بيت الحكمة، ويخصونها بكامل مؤلفاتهم أمثال الخوارزمي وغيره.[17]

   وقد ساعدت هذه السياسة في تطور معرفي وعلمي، وتمكين للغة العربية حتى غدت لغة السياسة، ولغة الأديان[18] ولغة الحياة اليومية، وهذا ما جعل بيت الحكمة يعد أكبر منجز قدمته الخلافة العباسية للأمة العربية، فقد كان "مفتاحا ليس للتطور العلمي والحضاري في العالم العربي والإسلامي فحسب، بل امتد أثره إلى التطور الحضاري في العالم أجمع. فعن طريق الترجمة تعرف العلماء المسلمون على ما لدى الأمم الأخرى من علوم، ثم أخضعوا تلك العلوم للتثبت والتدقيق من خلال التطبيق التجريبي فصفوها مما بها من شوائب وأضافوا إليها الكثير من خلال البحث والتوليف والتجربة العملية."[19]

 


 لويس جان كالفي. مرجع سايق. ص 220[1]

 محمود إسماعيل صالح. مرجع سابق. ص 5[2]

 مناع القطان. مباحث في علوم القرآن. القاهرة. مكتبة وهبة.بدون تاريخ. ص 126 [3]

 محمود إسماعيل صالح. ص 5[4]

 محمود إسماعيل صالح. مرجع سابق. ص 5[5]

 محمد علي الصلابي. الدولة الأموية عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار. بيروت ـ لبنان. دار المعرفة. 2008. الطبعة 2. المجلد1. ص 663[6]

 المرجع نفسه. ص 663.[7]

 فالح حسين.استعمال العربية في الدواوين المالية قبل عبد الملك بن مروان وبعده. مجلة دراسات تاريخية. العددان 21 ـ 22. دمشق. لجنة كتابة[8]  تاريخ العرب بجامعة دمشق. حزيران. السنة 7. 1986. ص 116.

 أحمد درويش. إنقاذ اللغة إنقاذ الهوية. نهضة مصر. بدون تاريخ. ص 26[9]

 المرجع نفسه ، ص 27.[10]

 المرجع نفسه. ص 27.[11]

 فالح حسين. مرجع سابق. ص 126.[12]

 علي محمد الصلابي. مرجع سابق. ص 664 ـ 665.[13]

 محمود إسماعيل صالح. مرجع سابق. ص 5.[14]

 سعيد ضناوي. موسوعة هارون الرشيد.بيروت. دار صادر. 2001. الطبعة 1. المجلد 3. ص 594.[15]

 المرجع نفسه. ص 595.[16]

 المرجع نفسه. ص 596.[17]

 أحمد درويش. مرجع سابق. ص 27. [18]

 محمود إسماعيل صالح. مرجع سابق. ص 6.[19]

تعليقات

التنقل السريع