القائمة الرئيسية

الصفحات

السياسة اللغوية في سوريا
السياسة اللغوية في سوريا


 السياسة اللغوية في سوريا


    إن من أكثر الأمثلة دلالة ووضوحا على نجاح السياسة اللغوية والتطبيق الفعلي لها ما أقرته الجامعات السورية في مجال التعليم باللغة العربية، فالقطر السوري من "أسبق الأقطار العربية إلى تجربة التعريب العلمي في سلك التعليم العالي ولا سيما في الدراسات الطبية، وقد نجحت تجربته إلى حد كبير"[1]

 ومع أن سوريا قد تعرضت لغزو ثقافي مزدوج اقتصها من جذورها التاريخية والعربية، وشوها ثقافتها وأقصى لغتها، إلا أنها مع ذلك استطاعت أن تخرج من هذا الغزو الثقافي المزدوج قوية بلغتها وثقافتها. وقد كان التعليم دائما هو الرحى التي تدور حوله هذه الحروب الثقافية الطاحنة.

     فسوريا ظلت "تحت نير الحكم التركي حقبة طويلة من الدهر امتدت نحو خمسمائة سنة ونيف، عانى أهل البلاد خلالها أشد أنواع الظلم والاستغلال والاستعباد"[2]، فالدولة العثمانية لم تكن تسعى فحسب إلى التوسع الإسلامي، وإنما كانت تسعى أيضا إلى التوسع الثقافي وتتريك الشعوب المسلمة بالقوة، وفرض اللغة التركية في التعليم وفي الخطاب اليومي أحيانا، لذلك ليس من المستغرب أن يعمد العثمانيون "إلى تتريك الشعب العربي في سوريا بعد أن صبغوا الإدارة المحلية بطابعهم وملأوا دواوينها بموظفيهم وليصلوا إلى غايتهم هذه أنشأوا في المدن الكبيرة بعض المدارس الرشدية « الابتدائية» والاعدادية والسلطانية «الثانوية» وجعلوا التعليم كله فيها باللغة التركية ولم يتركوا للغة العربية ودروس الدين إلا النزر القليل من الساعات، يدرسها معلمون أتراك باللغة التركية"[3].

  وقد استمرت سياسة التتريك هذه التي انتهجتها الدولة العثمانية حتى انهزم الأتراك في نهاية الحرب العالمية الأولى، فخرجت سوريا منهكة من هذا الصراع الثقافي الذي دام قرابة الستة قرون[4]، وكان من بين المشاكل التي واجهتها السلطة السورية الجديدة بعد جلاء الأتراك وموظفيهم مشكلة إعادة تعريب التعليم والإدارة، فاتخذت سياسة لغوية محكمة، ووضعت خطة لغوية متكاملة تهدف من ورائها إلى تعريب شامل يستقصي كافة جوانب العملية التعليمية، وتم إنشاء المجمع العلمي العربي من طرف كبار العلماء واللغويين،[5]   "وهكذا مضت حركة التعريب في غير تعثر ومضت سريعة ومثمرة، فأخذت دوائر الدولة تنقل القوانين والأنظمة من التركية إلى العربية، وتبعث إلى مجمع اللغة العربية بقوائم الألفاظ التركية، فيضع الألفاظ العربية المقابلة لها، ويعيدها إلى مرسليها"[6].

    وقد "حاول الفرنسيون بعد احتلالهم لسوريا أن يحلوا لغتهم محل اللغة العربية في التعليم والتدريس وأن يلغوا التعليم الجامعي برمته، ولكن محاولتهم لاقت مقاومة عنيفة وفشلت فشلا ذريعا فاكتفوا باحتلال لغتهم مكان اللغة الانجليزية التي كانت تدرس كلغة في المدارس"[7].

   إن التعليم في سوريا كان دائما هو الوتر الذي يعزف عليه المستعمر لتحقيق أهدافه السياسية والاقتصادية، فلم تمض فترة على خروج الأتراك من سوريا، واستقرار التعليم  الجامعي نسبيا باللغة العربية حتى جاءت السياسة الاستعمارية الفرنسية التي تسعى إلى فرنسة التعليم وشل حركة اللغة العربية، والحد من انتشارها، ولكن الأساتذة في الجامعات السورية أصروا على أن تكون اللغة العربية هي لغة التعليم، فقد "علموا بالعربية، وبذلوا جهودا جبارة في تأليف الكتب الطبية المناسبة، وفي إيجاد المصطلحات الطبية وتطورها، وأصدروا مجموعات عديدة منها"[8]، وقد كان لهذه المقاومة الثقافية أثر كبير في مستقبل التعليم الجامعي في سوريا، حيث "نص الدستور السوري بعد أن نالت سورية استقلالها عام 1946م على أن اللغة الرسمية للبلاد إنما هي العربية، وجسدت سورية هذا النص واقعا حيا في جميع مجالات الحياة انطلاقا من إيمانها بأن ارتباط المرء بلغته لايمكن أن يعدله ارتباط بأي لغة أخرى"[9]، وقد "تطور مستوى التعليم لدرجة جيدة جدا، حتى وصل إنجاز الأطباء المتخرجين من كلياتهم الطبية درجة تفوق مستوى خريجي بعض الجامعات التي تعلم طبها باللغة الانجليزية في بعض البلدان العربية الأخرى"[10].

   ويعتبر هذا بحد ذاته نجاحا للسياسة اللغوية / العربية ، وردا قويا على من يقول إن اللغة العربية لغة أثرية أو أحفورية لاتصلح للعلوم الطبية والهندسية وغيرها من العلوم الحديثة، فقد أثبتت التجربة السورية كفاءة اللغة العربية وقدرتها على استيعاب العلوم والمعارف، ويكفي أن نشير إلى أنه "في عام 1983م، بلغت نسبة نجاح الأطباء المتخرجين من الكليات السورية 42.5% بينما بلغت نسبة نجاح الأطباء الدارسين باللغة الإنجليزية في البلدان العربية الأخرى 39.6% وفي عام 1984م كانت نسبة نجاح السوريين 57.3%، مقارنة بـ 44.5% للدارسين بالإنجليزية،"[11] وهذا إن دل على شيء فهو يدل على صحة الفرضية القائلة إن الشخص الذي يتعلم بلغته الأم يكون مؤهلا أكثر من غيره في استيعاب العلوم وفهمها وإدراك جزئياتها وتفاصيلها، وهذا لا يعني أن الإنسان لا يستطيع أن يبدع بلغة أخرى، على العكس فهو قادر أن يبدع بلغات مختلفة، ولكن اللغة الأم تبقى هي الأقرب إلى عقله وتفكيره، فقد نشأ بها وتربى عليها، وهي أكثر اللغات لصوقا بمخيلته وفكره، وهذا يجعلها بالنسبة له الأمثل  والأفضل في العملية التعليمية.



[1]  عبد الله واثق شهيد. نجاح التجربة السورية في تعريب التعليم الجامعي. في مجلة اللسان العربي. العدد 5. المكتب الدائم لتنسيق التعريب في العالم العربي. الرباط ـ المغرب الأقصى. ص 192.

 توفيق المنجد. تجربة التعريب في سورية. في مجلة اللسان العربي. العدد 2. يناير .1965. مرجع سابق. ص 53.[2]

 المرجع نفسه، ص 53.[3]

 استجواب مع معالي سفير الجمهورية العربية السورية حول قضايا التعريب بسوريا.في مجلة اللسان العربي. العدد 3. مرجع سابق. ص 289.[4]

 توفيق المنجد. مجلة اللسان العربي. مرجع سابق. ص 53[5]

 استجواب مع معالي سفير الجمهورية العربية السورية حول قضايا التعريب بسوريا. مجلة اللسان العربي. مرجع سابق. ص 289.[6]

 توفيق المنجد. مجلة اللسان العربي مرجع سابق. ص 53.[7]

 صادق الهلالي. التجربة العربية في تعريب العلوم وعلوم الطب.في مجلة اللسان العربي. العدد 43. يونيو 1997.مرجع سابق. ص 57.[8]

[9]  محمود السيد. خطة عمل للتمكين للغة العربية. خطة العمل الوطنية السورية للتمكين أنموذجا. في مجلة اللسان العربي. العدد 65. مرجع سابق. ص 104.

 صادق الهلالي. مجلة اللسان العربي. مرجع سابق. ص 57[10]

 المرجع نفسه. ص 57.[11]

تعليقات

التنقل السريع