القائمة الرئيسية

الصفحات

 :  تحليل مقطع من قصيدة حافظ ابراهيم

 

حافظ إبراهيم
حافظ إبراهيم



أولا: قراءة في النص

رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي         وناديت قومي فاحتسبت حياتي

رموني بعقم في الشباب وليتني       عقمت فلم أجزع لقول عِداتي

ولدت ولما لم أجد لعرائسي           رجالا وأكفاء وأدت بناتــــــــــــي

وسعت كتاب الله لفظا وغاية          وما ضقت عن آي به وعظـــــات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة     وتنسيق أسماء لمخترعــــات

أنا البحر في أحشاءه الدر كامن      فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

ثانيا: التحليل

1 المستوى المضموني:

  استهل الشاعر حديثه عن اللغة العربية بالمونولوج الداخلي الذي صوره برجوع اللغة إلى نفسها، وهو الرجوع الذي أفضى بها إلى اتهام عقلها بالقصور، ولكن حسرتها لم تبلغ أوجها إلا حين استنجدت بقومها، وهم الذين هجروها، وجنحوا إلى غيرها عندها احتسبت حياتها فلا حياة لمن تخلى عنه أبناؤه وقومه وأهله

رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي     وناديت قومي فاحتسبت حياتي

وليتهم تخلوا عنها دون أن يرموها بسهام الاتهام، لكن تخليهم عنها كان بحجة أنها صارت قشورا وطلاء لا يمكنها استيعاب معطيات العصر، فهي لم تعد سوى أداة للبحث في المجال " الأركيولوجي"، وقد تجسد الاتهام في البيت الثاني:

"رموني بعقم"، هكذا استخدم الشاعر الفعل المناسب للاتهام "رمى" ليكسبه دلالة ازدواجية يتمثل جانبها الوضعي في رمي سهام العقم والعجز والضعف، فيما يتجلى الجانب الإيحائي في تخليهم عن لغتهم، وهم الأجدر بالاهتمام بها حتى ولو كان اتهامهم صادقا.

  من هنا كان لا بد للغة أن تدافع عن نفسها، وعن مكانتها، والذي يقتضي الحديث عن حقيقة هذه اللغة، فلو عرفوا كنهها لما تخلوا عنها، ولكن العادة جرت بأن جهل الشيء يلزم معاداته.

   وسعت كتاب الله لفظا وغاية     وماضقت عن آي به وعظاتي

   فكيف أضيق عن وصف آلة     وتنسيق أسماء لمخترعات

هكذا تخبر اللغة عن مكانتها، فهي التي وسعت كتاب الله بتشريعاته وأحكامه، ولم تضق عن ذلك، ولعمري لهو شرف مابعده شرف، فأي منطق يلجأ إليه هؤلاء المتعنتون إذا كانت غير عاجزة عن احتواء مضامين القرآن الكريم ، وهو كلام "الحق"، فكيف تضيق عن فسيفساء من الأسماء والمخترعات، كيف تتسم بالعجز أمام مجموعة من الأسماء التي اخترعها البشر، كلا فهي كما قالت عن نفسها:

أنا البحر في أحشاءه الدر كامن        فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

فهي كالبحر الشاسع الذي يتوارى الدر الثمين في أعماقه، ولن يجده إلا من يغوص هذه الأعماق ويدرك مداخلها، وهم أهل اللغة وسدنتها، فرسان الكلم وأساطين البلاغة، فهم وحدهم الذين يعرفون حقيقة هذه اللغة.

2ـ المستوى الفني

  لقد وظف الشاعر تقنيات فنية عديدة في هذا النص، لعل أهمها من حيث المستوى التركيبي طغيان الجمل الفعلية، والتي نجدها تغطي سقف النص ( رجعت، اتهمت، ناديت، احتسبت، رموني، جزعت، أجزع، ولدت ...إلخ) وهي تدل على حركية النص، وديناميكيته التي تتماهى مع حال التغير، ونعني به تغير موقف الذين تخلو عن اللغة.

  كما أن الأفعال التي جاءت في صغة الماضي كانت أقرب بالوفاء لأنها تتعلق بالماضي، أما التي جاءت على صغة الحاضر فهي تتخذ منحى مغايرا لأنها ترتبط بالذين هجروا هذه اللغة وتخلو عنها.

   أما من حيث الموسيقى فنجد أن أمواج التفعيلات تنتمي إلى بحر الطويل، ولم يختره الشاعر اعتباطيا وإنما اختاره عن قصد لأنه يتماشى مع الدفقة الشعورية، والتي امتازت بطول النفس، وقد جاء على الضرب الذي يلتزم فيه الشاعر بالتفعلة المقبوضة في العروض والضرب، وهي التي على شكل (مفاعلن) (//0//0).

  ومن حيث الموسيقى الداخلية فإنها كانت موسيقى حزينة حزنا يناسب المضامين المطروقة في النص حيث شكلت الحروف الحلقية الوتر الجوهري المعزوف في كل أبيات المقطوعة، ولا سيما حرف العين الذي ورد في جميع الأبيات، هذا بالإضافة إلى الموسيقى البلاغية التي تجسدت في الاستعارات تارة،  والتشابيه أخرى، وغير ذلك من مايضيق المقام عن ذكره.

   خاتمة:

  وهكذا انطلاقا من معطيات التحليل السابق نستنتج أن النص الأدبي كتلة من الآليات الفنية والإبداعية شكلا ومضمونا وهي خفية من دون تفكيك عناصر النص، فإذا لجأنا إلى التحليل عندها نتمكن من الوقوف على مكامن التجربة الإبداعية لأنه هو المفتاح الجوهري لجميع مغاليقه.

تعليقات

التنقل السريع